فصل: باب: الوَقْتِ الَّذِي يَحلُ فيهِ بَيعُ الثّمارِ ورَدّ الجائِحَةِ مِنْ كثَب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: الوَقْتِ الَّذِي يَحلُ فيهِ بَيعُ الثّمارِ ورَدّ الجائِحَةِ مِنْ كثَب:

قال الشافعي: أخبرنا مالك عن حُميدٍ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثِمار حتى تُزهي، قيل: يا رسول الله وما تُزهي؟ قال: حتى تحمرَّ أو تصفرَّ... إلى آخره".
3031- هذا الباب معقود لبيان بيعِ الثمارِ، والزروعِ، وهو مصدَّر بذكر ما يشترط في صحَّةِ بيعه القطعُ، وما لا يشترط فيه ذلك. ونحن نبدأ بذكر الثمار، ثم ننعطف على الزروع.
فمن باع ثمرة على الشجرة، لم تخل الثمرة إما أن تكون مُزْهية بدا الصلاحُ فيها، وإما ألا تكون كذلك، فإن لم تكن مزهية، فلا يجوز بيعُها بشرط التَّبْقية، ولو بيعت مطلقة، فالبيع في الإطلاقِ محمولٌ عند الشافعي على شرط التبقية، وعَقْد المذهب أن العادةَ جاريةٌ بتبقية الثمار، والعقود المطلقةُ منزلةٌ على حكم العادة المقترنة بها، ومقتضى العادة المطردة إذا اقترنَ بالعقد نزل منزلة الشرطِ المصرّحِ به، وعلى هذا بنينا تنزيلَ الدراهمِ المرسلةِ في العقدِ على النقد الغالبِ في العادة؛ حتى نقول: لو اضطربت العاداتُ في العقودِ، فإطلاق الدراهمِ فاسد، والعقد باطل، وعلى هذا الأصل لم نحوج المتكارِيين إلى ذكر المنازِل وتفصيل كيفيَّة الإجراء.
وكلّ ما يتَّضح فيهِ اطرادُ العادة، فهو المحكَّم، ومضمرُه كالمذكور صريحاً، وكل ما تتعارض الظنونُ بعضَ التعارضِ في حكم العادة فيه، فهو مثارُ الخلافِ وسبَبُه.
وألحق القفالُ بما ذكرناه أمراً آخر، فقال: إذا عم في الناس اعتقادُ إباحةِ منافعِ الرهن للمرتهن، فاطراد العادة فيه بمثابة شرطِ عقدٍ في عقد، ويلزم منه الحكمُ بفساد الرهن، وقد يجري ذلك في أغراضٍ في القروض، لو ذكرت لفسَدَت القروض بها.
والقفال يجعل اطرادَ العرفِ بمثابةِ الشرطِ، ولم يُساعده كثيرٌ من أصحابنا، وقالوا: الرهنُ يصحُّ إذا لم يُشرط فيه شيء، وكذلك ما في معناه. وسنذكر الضبطَ في محل الخلاف والوِفاق-إن شاء اللهُ تعالى-
وكان شيخي يقولُ: لو كان في بقعَةٍ من البقاعِ المعدودة من الصرودِ كرومٌ، فكانت الثمار لا تنتهي إلى الحلاوة، وعم فيها العُرف بقطع الحِصْرِم، فإطلاق البيع محمول على العُرف في القطع، وهو نازلٌ منزلةَ البيع بشرط القطع، فالتعويل في أصل المذهب على العادة.
وأنا أقول: لا شك أن حمل المطلقِ من البيع في الثمار التي لم يَبدُ الصلاحُ فيها على المقيّد بشرط التبقيةِ مأخوذٌ من العُرفِ.
والوجه في هذا عندنا أن يقال: كل ما يتعلق بتوابعِ العقودِ من التسليمِ، والقطعِ، والتبقيةِ، وكيفيةِ إجراء البهيمة المكراةِ، والمقدارِ الذي تَطوي في كل يوم، فهذه التوابع منزَّلةٌ على العرفِ، كما ذكرناه. ومن جملته حملُ الدراهم المطلقة على النقد الغالب، وهذا في اعتياد يعم، ولا يختصّ بتواطُؤِ أقوام.
3032- فأما العادة التي تُتلقَّى من تواطؤ أقوامٍ على الخصوص، كشرط الإباحَةِ في الرهن، وشرائطَ معروفةٍ فاسدة في القُروضِ، فهذا محمول على اصطلاحِ أقوام، وقد يختصُّ ببعض البلاد ببعض الأعصارِ، ففي مثله التردد. فأما القفال، فإنه يرى الاصطلاحَ المطَّردَ بين أقوامٍ بمثابةِ العادةِ العاقَة، وامتنع غيرُه من هذا. وعندي أن هذا يُنزَّلُ على منزلةٍ ستأتي مشروحةً في كتاب الصداق، وهي أن أقواماً لو تواطئوا على أن يُعبّروا بالألفين على الألفِ، فإذا وقع العقد بلفظِ الألفين، فالتعويل على التواطُؤ، أم على صيغة اللفظ؟ فيه تردّدٌ. وسيأتي في المسألة المترجمة السرّ والعلانيةِ، ووجهُ التشبيه أن العادةَ مُبينة كالعِبارة، والعادةُ التي لا يُعرف مستَندُها من اصطلاح كاللغات، والعادةُ التي تستند إلى اصطلاح معلومٍ كلغة المتواطئين على مُراطناتِهم. وإعمالُ عادةِ التواطؤ- أقربُ مما ذكرناه في مسألة السرّ والعلانيةِ، والسببُ فيه أن إعمالَ التواطُؤِ في تلك المسألة ألغى صريحَ اللغة الثابتة، فقد لا يُحتمل ذلك.
3033- ومما يَطرأ في هذا الأصل الذي نحن فيه أن الشيء إذا فُرض نُدورُه في بقعةٍ، ثم صُوّر اطرادُه، والحكم مستندَهُ العادةُ، فقد تردّد في هذا حملةُ المذهب، ومنه ينشأ اختلافهم في كثير دم البراغيث في بعضِ الأصقاع، في حكم العفو عن النجاسةِ. ويخرجُ على هذا القانون المسألة التي ذكرناها في الحِصرِم، في بعض الصرود؛ فإنّ فرض ذاك في نهايةِ الندور، وإن تُصوِّر واطَّردت عادةُ أهل البقعَةِ بقطف الحِصرِم، فهو على التردد الذي ذكرناه.
فهذا قولُنا في تأسيس الباب في الثمار التي تباع قبلَ بُدوّ الصلاحِ0
3034- وإن بَدا الصلاحُ، فيجوز بيعُ الثمار على شرط التبقية إلى أوانِ الجِداد، وإن بِيعت مطلقةً، صح البيعُ، وحُملَ على موجَب التبقيةِ، بناء على ما مهَّدناه من اتباع العادة العامة في توابع العقد.
فإن قيلَ: نَهْيُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تُزهي يشعر بمفهومهِ أن البيع قبل بدوّ الصلاح منهيٌّ عنه محرمٌ من غير فصلٍ بين أن يقدّرَ شرطُ القطع أو يطلق. قلنا: ظاهرُ اللفظِ هذا، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تكلّم في أمرٍ مستندُه العادة، نزَّل لفظُه على موجَبها، والعادةُ الجارية أن الإنسان لا يشتري الثمارَ قبل الزَّهو ليقطفها، وإنما يشتريها لتبقيتها إلى الجداد. هذه العادة. وإن فُرض غيرُ ذلك، كان خُرْقاً وسفهاً، فكأنه نهى عن البيع المعتادِ قبل بُدوّ الصلاح.
3035- ثم ذكر الأئمةُ من طريق المعنى مسلكين في ضبط المذهب:
أحدهما: أن الثمار قبل بُدوّ الصلاح تكون متعرضة للآفات والصواعق، ومن اشتراها كان معرَّضاً مقصودُه للهلاك، وفي ألفاظ الشارع ما يدل على هذا المعنى، إذ رُوي: "أنه صلى الله عليه وسلم، نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة".
والمسلك الثاني- أن الثمار قبل بدوّ الصلاحِ ستكبر أجرامها كبراً ظاهراً، وإنما هي من أجزاء الشجرة، فلم يجرِ شرطُ التبقية لذلك، وإذا بدا الصلاح فيها، فلا تكاد تزداد ازدياداً به مبالاة.
والأوجه في ضبط المذهب المعنى الذي قدمناه، وهو متلقى من الخبر كما ذكرناه. والمعنى الثاني معتضدٌ بأمير مذهبي، وذلك أن من اشترى أشجاراً عليها ثمارٌ غيرُ مُزهيةٍ، فالعقد صحيح، وإن لم يجر شرط القطع، لما كانت الأشجار مضمومةً في المِلكِ إلى الثمار، فإذا امتصت الثمارُ شيئاً من رطوبات الأشجار، فلا بأس؛ فإنهما جميعاً في ملكِ مالكٍ واحد، ولو كانت الأشجار ملكاً لزيد، وكانت الثمار مِلكاً لعمرٍو، وهي غيرُ مزهيةٍ بعدُ، فلو باعها عمروٌ من زيدٍ مالكِ الأشجار مُطلقاً، أو على شرْط التبقية، ففي صحةِ البيع وجهان:
أحدهما: أن البيع يصح، كما لو جمع بين الثمار والشجر في العقد، ومعناه ما ذكرناه من اتحاد المالكِ في الأصل والفرع.
ومن منع قال: سبب تصحيح العقد الوارد على الثمر والشجر أن الأصلَ الشجرُ، والثمارُ معها تابعةٌ لها، فلا يضرّ تعرض المبيع للتَّوى، فكأنَّ أحدَ القائلَيْن يلتفت على التعرض للعاهة ويحتمل ذلك في العقدِ الذي يكون الثمر يتعاقبه. والقائل الثاني يعتبر الاجتناب من امتصاص الثمار رطوبةَ أشجار الغير.
وأما أبو حنيفة، فإن مذهبَه مجانبٌ لمذهَبنا، وهو أخذ فيه مسلكاً آخر، فحقُّ العقد عنده إذا أفردت الثمار بالبيع، أن تُفرَّغ الأشَجار منها. مزهيةً كانت الثمار، أو غيرَ مزهيةٍ. ورأى تبقيةَ الثمارِ إدامةً لِشغل ملك الغَيرِ.
وأجاب بعضُ الأصحاب عن هذا الطريق بأن قالوا: ليس للأشجار منفعةٌ تفوتُ بتبقية الثمارِ عليها، وإن كان يقدَّر ازديادُ الثمار من أجزاء الأشجار، فذلك قليلٌ بعد بدوّ الصلاح.
وهذا المعنى غيرُ سديدٍ، وهو مشعر بتكليف التفريغ إذا كانت المنافع المُعتبرةُ تتعطل، وليس الأمر كذلك عندنا؛ فإن من ابتاع شجرةً مطلقاًً لم يكلف قلْعَها، وفي إدامتِها شُغلُ منافعَ معتبرةٍ. ولكن كانت العادةُ التبقيةَ، وليس في التبقية تعريضٌ للتلف، فاحتمل ذلك، وجرى بقاءُ الشجرة حقاً مستحقاً تابعاً لملك الشجرة. وليس هذا من قبيل الإعارة، ولا يسوغ لبائع الشجرة أن يقلعها على شرط أن يغرَمَ ما يَنقُصُه القلعُ، والسبب فيه أن التبقيةَ مستحقةٌ بعقدِ الشراء، وحقوقُ الشراءِ، لا تَبطُل على أربابها، وكذلك إذا اشترى بناءً مطلقاًً، استحق تبقيتَه إلى غيرِ آخِرٍ، لما قرَّرناه.
3036- ومن هذا الأصل اختلف قول الشافعي في أن من اشترى شجرةً مطلقاًً، وملك بالشراء أغصَانها وعُروقَها، فهل يَملكُ مَغْرِسَها من الأرضِ؟ والأصَحُّ أنه لا يملكه؛ فإن اسمَ الشجرةِ لا يتناول شيئاً من الأرض.
وفي المسألةِ قول آخر: أنه يملكُه؛ فإنه يستحق تبقيةَ الشجر لا إلى نهايةٍ، فلْيُقضَ بملكه لمغرسها، وإلا، فلا نظير لهذا النوع من الاستحقاق.
وهذا الاختلاف ليس يجري على منهاج الاختلاف المقدم ذكرُه، في استتباع الأرض أشجارَها؛ فإن ذاك منشؤه استتباعُ الأرض فرعَها، وأما ملك مغرس الشجرة، فليس من جهة استتباعِ الشجرة الأرضَ؛ فإن الفرعَ لا يستتبع الأصلَ، ولكنهُ من جهة ثبوت استحقاقٍ لا محمل لهُ إلا الملك.
ثم إن قُلنا: إنه يملِكُ المَغْرِسَ، فلو انقلعت تلك الشجرةُ، أو قلعَها، فمِلكهُ قائم على المغرس يتصرفُ فيه تصرفَ الملاك، وإن قُلنا: لا يملك مشتري الشجرةَ مَغرِسَها، فإذا انقلَعت، أو قَلَعها، لم يملِك أن يغرسَ فيه شجرةً أخرى؛ فإن حق التبقيةِ كان تابعاً للشجرة التي ملكها، وقد زالت تلك الشجرةُ، فتبع زوالَها زوالُ الحق في المغرس.

.فصل: في تفسير بُدوّ الصلاح:

3037- معتمدُ الباب في الحقيقة الخبرُ، ومقتضاه اعتبارُ بدوّ الصلاح، وبيان ذلك في الثمار، ثم في غيرها.
أما الثمارُ، فتنقسمُ إلى ما يتلوّن عند الإدراك بلونٍ يخالف السابقَ قبل الإدراك، كالتمر والأعنابِ: السودِ والحمرِ، فبدوّ الصلاح في هذا القبيل بأن يبدو تلوّنُها، وهو المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم: «حتى تُزهيَ، قيل له: يا رسول الله، وما تُزهي؟ فقال صلى الله عليه وسلم حتى تحمرّ أو تصفرّ»، ولا شك أن ذلك إذا ظهر فيها، طابَ أكلُها، وزالَ ما كان فيها، من عفوصيةٍ أو قَرْصِ حموضة، أو مرارة، وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث "حتى تطيبَ"، ثم لا يُشترط بلوغُها الغايةَ المطلوبةَ في الطيب؛ فإن هذا إدراك. وبين بدوّ الصلاح، وبين الإدراك وأوانِ القطافِ قريبٌ من شهرين.
هذا قولُنا في الثمار.
3038- وأما بدوّ الصلاح في البطيخ، فأن يطيب الأكلُ، ويظهرَ فيه التلوُّنُ أيضاًً.
وأما الثمار التي لا تتلوّن بالإدراكِ كالأعناب البيض، فالاعتبار فيها بالتَموّه، وجريانِ الحلاوة، وزوالِ قَرصِ العُفوصة، وطيبِ الأكل.
وهذه الأشياءُ تجري في التحقيق على قضيةٍ واحدة، على ما سأصِفُه الآن.
وأما بدوُّ الصلاح في القثاء، فليس بأن يتلوّن، ولا يمكنُ أن يقال فيه: هو أن يطيب أكله، أو يمكن ذلك فيه؛ فإن القثاءَ يطيب وهو في نهاية الصغر. قال الأصحاب: الوجه أن ينتهي إلى منتهى يُعتادُ أكله فيه.
فإن قيل: خالفتم بين القثاءِ والثمار؛ إذ قلتم في القثاء: يعتبر اعتيادُ الأكل، والاعتياد لا يعتبر في الثمرة المُزهية، فما الذي أوجب الفرقَ؟ قلنا: لا فرق؛ فإن الزهو إذا ابتدأ، ابتدأ الناسُ في الأكل، وقد يغلب تأخيرُ المُعْظم إلى تمامِ الإدراك، كذلك القول في القثاء؛ فإن الصِّغار منه يُبْتَدرُ، ولكنّ عُمومَ الأكل يتأخَّر، والذي يتناهى صِغرُه لا يؤكل قصداً، إلا أن يتفق على شذوذٍ، فرجع الحاصل إلى طيب الأكل، وابتداءِ الاعتياد فيه، وعلامةُ ذلك في المتلوّنات التلوّنُ إلى جهة الإدراك، وعلامتُه فيما لا يتلونُ التموُّهُ، وجريانُ الحلاوةِ، والرَّونق.
3039- فإذا تمهَّد معنى بدُوّ الصلاحِ فيما ذكرناه، فإذا باع الرجل ثمار بستان، وقد بدا الصلاحُ في بعضِها، فالذي لم يَبْدُ صلاحُه تابعٌ لما بدا فيه الصلاح، وترتيبُ المذهب في هذا الإتباع، كترتيب المذهب في إتباع ما لم يؤبَّرْ ما أُبِّر، في محلِّ الوفاقِ والخلافِ حرفاً حرفاً.
ولو باع ثمارَ بستان، وهي أجناسٌ مختلفةٌ، وكان بُدوّ الصلاح في بعضِها، فالجنس الذي لم يبْدُ الصلاحُ فيه، لا يتبع الجنسَ الذي أزهى بلا خلافٍ، وإنما التردد في اختلاف النوع مع اتحاد الجنس، كما مضى تفصيلُ ذلك في التأبير وحُكمِه.
قال العراقيون: لو باع الرجل ثمارَ بستانَيْن صفقةً واحدةً، وكان بدا الصلاحُ في أَحدِهما دون الثاني، فثمار البستان التي لم تُزه لا تتبعُ ثمارَ البستانِ التي بدا الصلاحُ فيها، وقطعوا القولَ بهذا. ولست أرى الأمرَ كذلكَ، سيما إذا لم يتباعدا تباعداً، يؤثر في اختلاف التغايير، ولا حاجز إلا جدار.
ولو كان للرجل بُستانان كما صَوَّرنا، وقد بدا الصلاح في ثمارِ أحدهما دون الثاني، فلو أَفردَ بالبيع الثمَار التي لم يَبْدُ الصلاحُ فيها، فالذي رأيت الطرُقَ متفقة عليه أنا لا نعتبِرُ حكمَ الثمار التي بيعت بثمار بستانٍ آخر، وهذا يشيرُ إلى ما ذكرهُ العراقيون من اعتبار اتحاد البستان وتعدُّده.
ولم يختلف علماؤنا أن بُدوّ الصلاح لو كان في مِلكِ غير البائع، ولم يَبْدُ الصلاحُ في بستان البائع. فلا يقال: الوقتُ وقتُ بدُوّ الصلاح، فتجعل الثمار المبيعة كأنها مزهية. هذا لا قائل به. وقد ذكرنا خلافاً فيه إذا اختلف الملكُ، واتَّحد البستان، وثبت التأبير أو الصلاحُ في بعضِ ثمار البستان، فهل يتبع المبيعُ غيرَ المبيع، والبستان واحدٌ؟ فيهِ الخلاف المعروف، ولا فرق بين أن يكون ما أبقاه البائع له، أو يكون لغيره؛ إذا كان البستان الواحد جامعاً لهُما. ولَعلَّ رعايةَ اتحادِ البستان من جهة أنه كالشيء الواحد في التطواف عليه، والتردُّدِ فيه.
ومعظم هذه الأحكام تبتنَى على عاداتٍ. فهذا منتهى المراد في ذلك.
وكل ما ذكرناه في الثمار، أو ما يجري مَجرَاها.
3040- فأمَّا القولُ في الزروع، فهي تنقسم إلى التي تُخلِفُ، وإلى التي لا تُخلِف.
فأما ما يُخلِفُ منها إذا جُزَّت كبعضِ البقولِ، ومنها القُرط، وما في معناه، فهذا الجنس يكون متزايداً أبداً، ولا وقوفَ له، فإذا بيع منه جِزَّةٌ، فلابد من شرطِ القطع، ولا يُنظر في هذا القسم إلى ما يقع في زمان العاهات، أو في زمان النجاةِ منها، وكذلك لا يُنظرُ إلى طيبِ الأكلِ، وذلك أنّا إذا كنا نحاذر إمكان الآفة، ونشترطُ القطعَ لذلك، فالاختلاطُ الذي يجرّ إلى البيع اللبسَ العظيمَ لأن يُجتَنبَ أوْلى.
وهذا الأصلُ في شرط القطعِ مساو للثمار قبل بدوّ الصلاح، وليس مأخوذاً من مأخذها.
3041- فأما الزروع التي لا تُخلِف إذا جُزت، فينبغي أن يُستثنى منها ما يتسنبل ويَستتر المقصودُ منه للغُلُفِ والقصيل، فإنا سنعقد في هذا فصلاً على أثر هذا الفصلِ، ونتكلَّم فيما عدا ذلك.
قالَ الأئمة: الزرع الأخضرُ لا يجوز ابتياعه إلا بشرط القَطعِ، وكان شيخي يقولُ: لا مُعوّلَ على الخضرة، والتعويل فيما لا يُخلِف على النجاة من الآفة على القياس الممهَّدِ في الثمار، والذي أراه أن هذا ليسَ باختلافٍ؛ فإن الأخضرَ في الغالب يتعرض للآفة، فنُزل كلامُ الأصحاب عليه.
وفي هذا الفصلِ سرٌّ، وهو أنَّا لو فرضنا زرعاً ناجياً من الآفة، لا يُخلِفُ إذا جُزَّ، وقد يزداد إذا لم يجز، فالذي رأيتُ الطُرقَ عليه أن هذه الزيادة غير ضائرةٍ، وهي عند فرضِ التبقيةِ على حُكم الشرط، أو على وفاق المشتري. والزيادة التي ذكرناها بمثابةِ نموِّ الثمار، إلى وقت اتفاق القطع، وليست كزيادة الزرع المُخْلِف.
وهذا على بيانهِ قد يزلّ فيه من لا يردُّ نظرهُ إليه.
3042- وتمام البيانِ في هذا أن من اشترى بطاطيخَ على أصولها دون أصولها، فإن لم يكن بدا الصلاحُ، فلابد من شرطِ القطع، وإن بدا الصلاَحُ في الكبارِ منها، فللصغار حكمُ الكِبار، جرياً على إتباعِ المقدَّمِ، ولكن ما يحدث من الأصول، فهو لمالك الأصول. فإن فرض اختلاطٌ، رجع ذلك إلى مسألة الاختلاط، كما تقدم ذكرها.
ولو اشترى أصولَ البطيخ، صحَّ. وكل ما يُخرجه بعد الشراء، فهو ملكُ المشتري.
ثم من لطيف ما يجب التنبُّهُ له: أن من اشترى ما لا يُخلِف لو قُطع، ملكَ ظاهرَه وعِرْقَه المستترَ بالأرض، فلو قال قائل: لو اشترى البطيخَ وأصلَه قبل بُدوّ الصلاح، فهل تشترطون القطعَ، أو تلحقونها بما لو اشترى الثمار والأشجارَ معاً، حتى لا تشترطوا القطع؟ قلنا: إذا لم يكن بدا الصلاحُ في البطيخ، فهو وأَصلُهُ عرضةُ الآفة، وليس كالثمار تباع مع أشجارها؛ فإن الأشجار ليست عُرضةَ الآفة، فتجري الثمار تبعاً لها.
فهذا منتهى البيان في هذه الفصول.
فرع:
3043- ذكر الشيخُ في شرح التلخيص أن من اشترى ثماراً بدا الصلاحُ فيها على شرط القطع صح العقدُ، ولزم الوفاء بالشرط، ولا شك أن هذا يطّرد في ابتياع الشجر على شرط القطع من المغرِسِ، وابتياع البناء كذلك، وهذا واضح، ولكنّي أحببتُ نقلَه منصوصاً.
فرع:
3044- إذا باع شجرةً عليها ثمرة مؤبرة، فالثمار للبائع، وله تبقيتُها إلى أوان الجِداد. فلو أصابَ الثمارَ آفة، وصارت بحيث لا تنمو، فهل للبائع أن يُبقيها ولا فائدةَ له في تبقيتها؟ أم للمشتري إجبارُه على قطعِها؛ ذكر شيخي لصاحب التقريب قولين في ذلك:
أحدهما: أن له التبقية استبقاءً منه لحق الإبقاء إلى أقصى الأمد، ولا نظر إلى فائدته، والقول الثاني- أنه يُجبَرُ على القطع؛ فإن شغل ملك الغير بلا فائدةٍ لا معنى له.
فصل:
3045- ذكرنا أن من باع نخلةً، وعليها ثمرتُها غيرَ مؤبَّرةٍ، فهي تابعةٌ للنخلة إذا أُطلق اسمُها في البيع، فإن استثناها البائعُ، بقيت له، ولا خلاف في جواز استثنائِها.
وإن تردَّد المذهبُ في جواز إفرادِها بالبيع، كما سنذكره على إثر هذا الفصل، ولا يجوز استثناءُ الحَمْل إذا بيعت الجاريةُ الحامل بالولدِ الرقيق.
هذا أصل المذهب، وسيأتي تفصيلهُ، في باب الخراج إن شاء الله عز وجل.
3046- ثم هل يُشترط في صحة استثناء الثمار شرْطُ القطعِ؟ فعلى قولين:
أحدهما: أنه لا حاجةَ إلى شرط القطع؛ فإن الاستثناءَ ليس تملُّكاً في الثمار، وإنما هو استبقاءُ الملكِ فيها. وآيةُ ذلك أنا نقطع بصحة الاستثناء. وظاهرُ المذهبِ أن إفراد الثمار بالبيع قبل التأبير ممتنع، ولا شرطَ على المستبقي.
والقول الثاني- أنه لابد من شرطِ القطع؛ لأن هذا الاستثناء في حكم جلب المِلكِ؛ إذ لابد فيه من لفظٍ واختيارٍ، وعبَّر الأئمةُ عن حقيقة القولين بعبارةٍ، وبنَوْا عليها أحكاماً في أمثلةِ هذه المسألة، فقالوا: لما باع الشجرةَ أشرف مِلكُه في الثمرة على الزوال، غيرَ أنه تلافاها، فهل نجعل المِلْكَ المشرفَ على الزوال إذا استُدْرِكَ كالملك الزائل العائد؟ فعلى قولين.
3047- ومن نظائر ذلكَ: أن الرجل إذا دبَّر عبداً فجنى في حياته جنايةً، تستغرق قيمتَه، وماتَ السيدُ، ولم يخلّف غيرَه، ففداه الورثةُ. و معلومٌ أنهم لو سلّموهُ، لبِيع، وبطل العتقُ فيه. فإذا فَدَوْه، وحكَمْنا بنفُوذ العتق فيه، فالولاءُ فيه لمن؟ فعلى قولين: فإن جعلنا المشرفَ على الزوال كالزائل العائدِ، فالولاء للورثة.
وإن لم نجعل الأمرَ كذلكَ، فالولاءُ للمولى المتوفى. وهذه المسألة تبتني على أن تنفيذ الوصية إجازةٌ، وليس ابتداءَ عطيةٍ، فإنَّا لو جعلنا التنفيذَ ابتداءَ تبرعٍ من الورثة، لم يختلف قولُنا في أنهم المعتقون، ثم كنا نقول: لابد من إنشاء العتق فيه، وإن جعلنا التنفيذ إجازةً، فالقول في الولاء مضطربٌ عندي؛ فإنهم لم يحتاجوا إلى إنشاءِ العتق، فأيُّ معنىً لصرفِ الولاء إليهم، والعتق نفذَ على حكم التدبير الماضي، ولكن الأئمة نقلوا قولاً آخر: أن الولاء للورثة لقوة سببهم، ونزّلوا ذلك منزلةَ الإعتاقِ بلا مزيد. فالقول في الولاءِ عويصٌ، وهو بين أيدينا.
3048- ومما يجب التنبُّه له في مسألة الاستثناء، أنا إذا شرطنا التقييدَ بالقطع، فأطلقَه، فظاهرُ كلام الأئمة، أن الاستثناء باطلٌ، والثمرة للمشتري، وهذا مشكلٌ جداً؛ فإن صرْفَ الثمرة إليه، مع التصريح باستثنائه محالٌ عندي، فالوجه عدُّ الاستثناء المطلق شرطاً فاسداً مفسداً للعقد في الأشجار، ويكون كاستثناءِ الحمل.
ومما يتعيّنُ الإحاطةُ به، أن الخلاف في اشتراط التقييد بالقطع يترتب لا محالة على أن قطعَ الثمارِ هل يُستحق إذا بقيت للبائع؟ فالتقييد في الاستثناءِ يلتف بوجوب القطع، وجوازِ الإبقاء، فإن لم نشرط التقييدَ، رأينا الإبقاء، وإن شرطنا، أوجبنا الوفاء.
ولا خلاف أن الثمار إذا بقيت للبائع؛ لأنها كانت مؤبّرة، وما كان بدا الصلاح فيها، فلا يستحق عليه قطعُها وإن كان يُشترط في صحة البيع شرطُ قطعها، إذا أفردت بالبيع.
فصل:
قال: "وكل ثمرةٍ وزرع دونها حائل... إلى آخره".
3049- مضمون الفصل الكلامُ في بيع الحبوب المستترة والبارزة، فأما الحبوب
البارزة كالشعير، فيجوز بيعُها في سنبلها تعويلاً على العِيانِ، وأما بيعُ المطعومات المستترة بقشورها، فالقول منقسمٌ فيها: فمنها ما يكون بقاؤها في استتارها، وصلاحُها في قُشورِها، كالرُّمان، والبيض، والجَوْز في القشرة الثانية الخشنة، فالبيعُ جائز؛ فإن صلاح لُبِّ الجَوْز وبقاءَه في قشرته، وكذلك في حشو البيض، وفي حب الرمان، ولا التفات على المجفف من حبِّ الرمان؛ فإن المقصودَ الأظهرَ منه في طراوته ورطوبته، وبيعُ الجوز في قشرته العليا إذا جفَّت عليه ممنوع عندَ الأصحاب، وكذلك بيعُ الباقلاء إذا جف في قشرته العُليَا، ممتنع، واختلف القول في بيع الحِنطةِ في سنبلها وهي مستترة بغُلفِها من قصيل السنبلِ، وكذلك الرّز في قشرتها العُليَا.
ومجموع ما قيل فيهما ثلاثة أقوال: أحدُها- الصحةُ؛ فإن لاستتار الحبوب بغُلفِها أثرٌ في طول البقاءِ، بخلاف القشرة العليا من الجوز، والباقلاء.
والقول الثاني- لا يصح؛ لأن ذلك ليس غالباً في الاعتياد، فلا مُعتبرَ به.
والقول الثالث: أن البيعَ صحيحٌ في الرّز، باطلٌ في الحنطة؛ فإن مُعظمَ ادّخارِ الرز في قشرته في العادة.
واختلف أصحابنا في بيع الباقلاء الرَّطْب في قشرته العُليا، وهي المسمى (الفول) والظاهر التجويز، وقد صح أن الشافعي أمرَ بعضَ أعوانه ليشتريَ له الفولَ الرطْب.
وبيع الجوز الرطب في قشرته العُليا قرَّبه بعضُ الأصحاب من الفول؛ فإن تِيكَ القشرة تصُون رطوبةَ اللب، صيانةَ قشرةِ الباقلاء. والجوزُ عن الجواز أبعد؛ فإن الغرض منه في جفافه.
3050- وحقيقة القول في هذه المسائل تَبِين بنكتة، وهي أنا إذا جوزنا بيعَ الغائب، فكل ما ذكرناه يجوز بلا استثناء؛ فإنا نجوّز على بيع الغائب أن يقول: بعتُكَ الدِّرهمَ الذي في كفّي، أو الثوبَ الذي في كُمِّي؛ وهذا في الجهالة فوق الصور التي ذكرناها. فإن كان المحذور فيها الاستتار، فهذا من ضرورة بيع الغائب، وإن كان المحذور فيها الجهالة، فهي متحققة في بيع الثوب الذي في الكُمِّ، وليس يدرى أنه كرباس غليظ، أو ثوب رومِيٌّ.
ومن الأسرار في ذلك أن العِيان محيط ببيع الباقلاء اليابس في القشرة العُليا، ولكن المقصودَ مستورٌ على خلاف العادة.
وقد أطلق أئمة المذهب أن بَيعْ نَيْلِ المعدِنِ في أدراج ترابه ممنوع، وزعم المحققون أن هذا مفرع على منع بيعِ الغائبِ، وإلا فقد تحققت جهالة واستتار، مع إحاطة العِيان بالكل. وهذا غير بِدْعٍ في بيع الغائب، ولكن جرى رسمُ المفرعين بأن يُفرّعوا على قولٍ صحيح عندهم مسائلَ، ويبينوا أقوالَهم فيها، ولا يتعرضون للقول الثاني.
3051- فحاصل المذهب أن المسائلَ التي ذكرناهَا مصحَّحةٌ على جواز بيعِ الغائبِ، والقولُ فيها على قولِ منع بيع الغائبِ منقسمٌ ثلاثةَ أقسام: أحدُها- أن يكون استتارُ المقصودِ بحيث يظهر مسيسُ الحاجَةِ إليه، وتغلب العادةُ فيهِ، كالبيض، والجوز، واللَّوْز إذا بيعت في قشرَتها التي هي صوانُها.
والقسم الثاني- ما يضطرب النظر فيه في اشتداد الحاجةِ إلى احتمال الاستتار، وهو كالحنطةِ في سنبلِها، والرّز في قشرِهِ، والفولِ الرطب، والجوزِ الرّطبِ في قشرتها العُليا، وراء قشرتها الخشنة، فالرأي يضطرب في تحقيق إظهارِ الحاجة في هذه المسائل، فاختلف المذهبُ لذلك.
والقسم الثالث: استتار وجهالةٌ من غير حاجةٍ، ولا استمرار عادة، كالباقلاء اليابس في القشرةِ العُليا، فلا حاجة إلى هذا الاستتار، ولا عادةَ فيهِ، فاقتضى مجموعُ هذا القطعَ بمنع البيع، وردِّ الأمرِ إلى منع بيع الغائب.
فلتُفهم هذه المسائل على هذا الوجه.
3052- وذكر الأئمة أن بيع لحم الشاة الذكيَّةِ في جلدِها قبل السلخ ممتنعٌ، وهذا الامتناع يجري على القولين جميعاً؛ من جهة أن الاستتار لا يزول إلا بقطع جزءٍ وتفصيله؛ فإن السلخ قطعُ الجلد الملتئم على اللحم عنه. وسيأتي لهذا نظائر عند ذكرنا بيعَ جزءٍ من نصْلِ أو خشبةٍ، وكان لا يتأتَّى تَسليمُ المسمَّى مبيعاً إلا بقطعٍ وتفصيل. ولعلَّنَا نُعيد هذه المسألة ثَمَّ-إن شاء الله تعالى-
وكان شيخي يقطع بمنع بيعِ الجَزَرِ، والسلقِ، والفجلِ، في الأرض. وهذا مفرعٌّ على منع بيع الغائب، وإذا جوزناه، صححنا البيعَ في هذه الأشياء، حسب تصحيحنا بيعَ الأشياء المدفونة في الأرض، إذا كان لا يَعسُر إخراجُها.
فصل:
قال: "ولا يجوز أن يَستثني من التمر مدّاً... إلى آخرِه".
3053- إذا باع ثمرةَ بستان إلا مدَّاً، فالبيع باطل، نصَّ عليه الشافعي-رحمه الله- في كتبه الجديدة، والقديمة، والسببُ فيه أن الثمار المشارَ إليها، ليست معلومةً بكيلٍ، ولا وزن، وإنما التَّعويل في إعلامها على العِيان، فإذا استثنى منها مقداراً، اختل به ضبطُ العِيان، فلا يُشار إلى شيء من الثمارِ إلا وللمُدِّ المستثنى منه نصيبٌ.
ولو استثنى من الثمار جُزءاً، كالنصف والرّبع، صح؛ فإنّ هذا لا يُخلّ بضبط العِيان؛ إذ لا يشار إلى شيءٍ من الثمار إلا وينتظم فيه القول بأن المبيعَ منه نصفُه مثلاً.
وعبَّر الشافعي عن هذا، وقال: "استثناء المقدار المعلوم عن المجهول يُكسبُه جهالةً لا تحتمل".
3054- ولو أشار إلى صُبرةٍ في البيع، وقال: بعتُك هذه الصُّبرة إلا مُدّاً، فإن كانت مجهولةَ الأمدادِ، فالجواب فيها كالجواب في الثمارِ، ولو كانت الصُّبرةُ معلومةَ الأمداد، فالبيع صحيح، والاستثناءُ ثابتٌ، ولا حاجة إلى ذكر أمدادِ الصُّبرةِ لفظاً، بل يكفي أن يكونَ المتعاقِدان عالمين بمبلغ الأمداد.
ولو قالَ: بعتُكَ صاعاً من هذه الصّبرة، فإن كانت معلومةَ الصيعان، صح البيعُ.
واختلف الأئمةُ في تنزيله، فقال طوائفُ منهم: هذا بمثابة بيعِ جزءٍ من جملةٍ، حتى لو كانت الصُّبرة مائةَ صاع، فالبيع عُشر العُشر، وأثر هذا أنه لو تلفَ من الصُّبرة شيءٌ يقسط على المبيع والباقي. وهذا اختيار القفال.
وقال قائلون: ليس بيعُ صاعٍ محمولاً على مذهب التجزئة، ولو تلف شيء لم يتقسَّط التالف على المبيع وغيرِه، بل يبقى المبيعُ مَا بقِي صاعٌ؛ فإن البائع ما أخرَج بيعَ الصاعِ إخراجَ بيعِ الجزء من الأجزاء، والمقاصد هي المرعيّة.
هذا إذا كانت الصُّبرة معلومةَ الصِّيعان.
فأما إذا كانت مجهولةَ الصيعانِ، فقال: بعتك صاعاً منها، فهذا خارج على التردد في تنزيل بيع الصاع في صُورةِ العلم بمبلغ الصيعان، فإن نزلنا الصاعَ على الجزء، وبنينا عليه تقسيط التالف على المبيع والباقي، فالبيع على هذا المسلك مع الجهل بالصّيعان باطل؛ فإنه بيعُ جزءٍ مجهولٍ، واستدَلّ القفال عليه بما لا دفع له، فقال: لو قُسمت الصُّبرةُ أمداداً، ومُيّزت، ثم قالَ مالكها بعتُكَ مُداً منها، فالبيعُ باطل، ولا فرق بين أن يتميز كذلكَ وبين أن تجتمعَ. وهذا هو القياس.
ومن نزَّل بيعَ الصاع في صُورةِ العِلم على الإبهام، لا على الجُزئية، صحح البيعَ في المُدّ من الصُّبرة المجهولة الأمداد، قائلاً: إن المبيع معلومٌ، ولا ننظر إلى الجزئية، ثم لا يقضي هذا القائلُ بتلف المبيع، ما بقي من الصُّبرة مقدارُ المبيع.
والقفالُ يقول: هذا خارجٌ عن الإشاعةِ، والتعيينِ، والوصْفِ، وإحاطةِ العيان.
ثم قال: لا فرق عندي بين بيع شيء مجهولِ القدر مضبوطٍ بالعِيانِ يستثنى منه مقدارٌ وبين بيعِ مقدَّرٍ مُضافٍ إلى مجهول القدر مضبوط بالعِيان.
3055- ولو قالَ: بعتُك عشرةَ أذرع من هذه الأرض، وهي مجهولةُ الدُّرعان، فقد أطبقَ الأصحابُ على بطلان البيع، واعتَلُّوا بأن جوانبَ الأرضِ تتفاوت، وصيعانُ الصُّبرة لا تتفاوتُ. وإن كانت الأرضُ معلومةَ الدُّرعانِ، فالقفال يحمل البيع على الجزئية، ويصححه، ومن لا يرعى مذهبَ الجُزئية في الصاعِ، حكَمَ ببطلان البيعِ هاهُنا؛ فإن الذرعان متفاوتةٌ.
وسنذكر مسألةَ الأرض ونظائرَ لها في بابٍ وثَمَّ تتبينُ حقيقتُها.
3056- قالَ الشافعي: لو قال بعت منك ثمرةَ هذا الحائط بثلاثة آلاف درهم إلا ما يخص ألف درهم، فإن أرادَ إلا ما يخص ألف درهم من الثمن، فقد باع الثُّلثين بألفين، وصح العقدُ. وإن أراد بالألفِ المذكورِ في صيغة الاستثناء جُزءاً من قيمة الثمارِ لو قُوِّمت، فالبيع باطل؛ فإن الاستثناء على هذهِ الصفَةِ يَجُرُّ جَهالةً. وهذا بيّن لا خفاء بهِ.
فصل:
قال: "ولا يرجع من اشترى الثمرةَ وسُلمت إليه بجائحةٍ... إلى آخره".
3057- إذا اشترى الرجل الثمارَ بعدَ بُدوّ الصلاحِ بشرطِ التبقيةِ أو مُطلقاً، وقد تقرَّر أن مقتضى الإطلاق التبقيةُ، وسلم البائعُ الثمارَ على الأشجار إلى المشتري.
فنذكر قبل الخوض فيما قيل في وضع الجوائح أصلين لا خِلافَ على المذهب فيهما:
أحدهما: أن المشتري يتسَلّط على التصرفِ في الثمار بسبب القبضِ من كل الوجوه. والأصل الثاني- أن البائعَ يلزمُهُ سقْيُ الأشجار إذا كان نموُّ الثمار به، وهذا يُشعِر ببقاء عُلقة على البائع من حق العقد؛ فإن إيجابَ السقي للتنمية من حكم إتمام التسليم، وكأنَّ المستحقَّ على البائع أن يَسْعَى في تسليم الثمار على صفةِ الكمالِ.
فإذا وضح هذا فلو اجتاح الثمارَ جَائحةٌ سماوية من صاعقة، أو حرٍّ أو بَردٍ، وما ضاهاها من العَاهاتِ، فما يتلف من الثمارِ بسبب الجوائح أهي من ضمان البائع أم من ضمان المشتري؟
المنصوص عليه في الجديد أنه من ضمان المشتري وهذا هو القياس؛ فإنّ ما جَرى من التسليم إليه سَلّطَه على التَصرُّفات المفتقرة إلى كمالِ القبضِ، فدل على حصول القبضِ كاملاً، وهذا يتضمَّن احتسابَ التالف على المشتري.
والقول الثاني-وهو المنصوص عليه في القديم- أن ما يتلف بالجوائح، فهو من ضمان البائع، فإن تلفت الثمارُ بجملتها، انفسخ البيعُ، وارتد الثمن إلى المشتري، ولو تلف بعضُها، انفسخ البيعُ فيه، وخرج القولُ في الباقي على قَوْلَيْ تفريقِ الصفقةِ.
وهذا القائل احتج بما رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع السنين" "وأمر بوضع الجوائح" وقد عرض هذا الحديث على الشافعي فقال: هذا الحديث رواه سفيان بن عُيينةَ عن حُمَيْد بن قيس عن سليمان بن عتيق عن جابر بن عبد اللهِ مراراً، ولم يذكر وضعَ الجوائح، ثم روى وضعَ الجوائح، وقال: "كان قبله كلامٌ فنسيتُه ثم رأيت أَروي ما أذكر"، قال الشافعي: فلعلَّ الكلامَ الذي كان قبله شيء يدل على أن وضع الجوائح مستحبٌّ، لا واجب. ثم قال الشافعي: لولا أن سفيان وهَّن الحديثَ الذي رواه لقُلتُ به، وأراد بتوهينه إياه سكوتَه عن رواية وضع الجوائح أوّلاً، ثم تردُّدُه في كلامٍ كان قبل وضعِ الجوائحِ.
ورُبما يتمسَّك ناصر القول القديم بما قدَّمناه في صدرِ الفصلِ من وجوب السقي على البائع، وانفصل عن تسلط المشتري على التصرف، بأن قال: لا يمتنع أن ينفذَ التصرفُ، وإن كان لو قُدِّر التلفُ، فالتلفُ من ضمان المُمَلِّك كالدار المستأجرة إذا قبضَها المُستأجر، فإنه يتصرّفُ فيهَا، ولو انهدمت الدار، انفسخت الإجارة في بقيّةِ المدّة.
وناصرُ القولِ الجديد يقول: البيع يستدْعي قبضاً كاملاً، والإجارةُ تصح من مالك الرقبة في حَال عَدمِ المنافع؛ فلا يَسوغُ اعتبار أحد العقدينِ بالثاني.
التفريع على القولين:
3058- إن قلنا: التالفُ بالجوائح من ضمان المشتري، فلا كلام.
وإن قلنا: إنه من ضمان البائع، فهذا يطّرد إلى أوان القطافِ. فإن أخَّر المشتري القِطافَ تأخيراً يُعدّ به متوانياً مقصّراً، فما يقعُ في هذا الزَّمن، لا يكون من ضمان البائع قولاً واحداً؛ فإن المشتري منتسب إلى التقصير في تأخيرِ القِطاف. فشابه هذا ما لو اشترى الثمارَ بشرط القطعِ، ثم لم يقطع؛ فاجتاحته الجوائح، فالتلفُ من ضمانِ المشتري إذا وقعَ بعد التسليم إليه. ولو حان وقتُ القِطاف ولكن ليس يُعدُّ مؤخِّرُه في اليوم واليومين متوانياً وقد يُعدُّ مُتَشوِّفاً إلى مزيدٍ في نَشْفِ رُطوبة فِجَّةٍ لا يستقلّ بنَشْفِها الجرين، فلو جَرت الجائحةُ في هذا الزمان، فظاهِر المذهبِ أن التالفَ من ضمانِ المشتري، ولا يخرج القولان، وإنما محل جريانِهما فيما قبل أوانِ القطافِ. وفي بعض الطرق رمزٌ إلى إلحاق هذا الزمن إذا لم ينتسب المشتري إلى التقصير بالزمان المقدَّم على القطافِ.
وعلى نحو هذا تردَّدوا في أمَدِ السقي الواجب على البائع، فأوجبوه على الوجه الذي ينفع قبل أوانِ القطاف، ورتبوا الكلامَ بعدهُ على ما ذكرناه.
3059- ومما يتفرع على قول وضع الجوائح: أن الآفة لو لحقت الثمار من جهة سارق، فلأصحابنا وجهان على قولنا بوضع الجوائح:
أحدهما: يوضع المسروق وضعَ الجائحة السماوية. وهذا ضعيف وإن كان مشهوراً في الحكاية؛ فإن السرقةَ نتيجةُ ترك التحفظ، واليدُ للمشتري، ولا نعرف خلافاً أنه لا يجب على البائع نَصْبُ ناطور على الثمار إلى جدادِها، ولستُ آمنُ أن يمنعَ ذلك من يصير إلى الوجه البعيد من أن الفائت بالسرقة موضوع عن المشتري وهو من ضمان البائع.
ومما يتفرع على القولين أن الثمارَ لو عابت بالجوائح ولم تتلف، فثبوتُ الخيار للمشتري يبتني على الحكم بانفساخِ العقدِ لو تلفت الثمار، فلو حكمنا بالانفساخِ عند التلف أثبتنا الخيارَ للمشتري بالعيب، وإن لم نحكم بالانفساخ عند التلف، لم يثبت الخيار عند العيب.
3060- ومن أهم ما نفرّعُه وفيه تمام البيان أن نقول: كل ما ذكرناه في آفاتٍ سماويّة لم يكن سببُها تركَ السَّقي من البائع.
فأما إذا ترك البائعُ السقيَ، فتلفت الثمارُ لتركه السقيَ، فللأصحاب في ذلك خبط، ونحن نفصله بعون اللهِ وتوفيقه، فنقول: أولاً- إذا تلفت الثمار بسبب تركِ
السَّقي، ولم يَشعر المشتري بحقيقةِ الحالِ، فلأصحابنا طريقان: منهم من قالَ: نقطعُ القولَ بانفساخ العقد، ورَدِّ الثمن؛ من جهة أن الآفةَ استندت إلى ترْك السقي المستحق بالعقدِ، فصارَ كما لو جَرى التلفُ مقدّماً على التسليم، وما يستند إلى سبب سابق في العقدِ يتنزل منزلةَ ما لو سبق هو بنفسه. والدليل عليه أن البائع لو أبرأ المشتري عن شيءٍ من الثمن، لم يسقط ذلك عن الشفيع، ولو حُطّ مقدارٌ من الثمن أَرْشا لعيبٍ قديمٍ كان، فهو محطوط عن الشفيع لمكان استنادِه إلى العيب المقترن بالعقدِ.
ومن أصحابنا من أجرى المسألةَ على قولين وإن كان التلف بسبب ترك السقي، ذكرهُ صاحب التقريب، وأورده الصيدلاني على وجهٍ سأُنبّه عليه بعد الفراغ عن الترتيب الذي أريده.
وهذا الاختلافُ قريبُ المأخذِ من أصلٍ سيأتي في باب الخراج: وهو أن من اشترى عبداً مُرْتدّاً وقبضه، ثم قُتل بالردة في يده، فهذا التلفُ بعد القبضِ، ونفوذِ تصرّفِ المشتري، ولكنه مترتب على سبب سابق. فإن قلنا: العقد ينفسخ، فلا كلام. وإن قلنا: العقد لا ينفسخ، فسببُ التلفِ تَرْكُ السقي وهو اعتداءٌ من البائع.
وإذا ترتب التلفُ على سببِ عدوانٍ، تعلق به الضمانُ، فالوجه أن نقول: إن لم يطلع المشتري على حقيقة الحالِ، حتى تلفت الثمار، فيضمنُ البائعُ لا محالةَ.
3061- وإن بدا عَيْبٌ بالثمارِ لترك السقي، فكيف الوجه فيهِ؟ قال الصيدلاني: للمشتري أن يرد بالعيب، وزاد فقالَ: لو انقطعَ الماءُ، فله الرد بمجرد انقطاعِ الماءِ، ثم استتم الكلامَ فقال: إن فسخ، فلا كلامَ. وإن لم يفسخ حتى تلفت الثمارُ، ففي وضع الجوائح قولان.
وهذا كلام مختلِطٌ، فانَّ ثبوت الخيار فرعُ وضع الجوائح، كما قدمتُه في التفريع على القولين. وكلام الصيدلاني يدل على أن الخيار يثبت على القولين. وهذا على إشكالهِ متفقٌ عليه من الأصحاب.
فإذا عابت الثمارُ بسبب تركِ البائع السقيَ، فللمشتري الخيارُ، وإن حصل العيب بعد التسليم، ووقع التفريعُ على أن الجوائح لا توضع، وأن التالف بالآفة السماوية من ضمان المشتري، وتعليلُ ثبوتِ الخيارِ مع ثبوتِ اليدِ للمشتري تفريعاً على القولِ الجديد أن الشرع ألزمَ البائعَ تنميةَ الثمار بحكم العقدِ، فيصير العيبُ الحادثُ بهذا السبب كالعيب المتقدم على القبضِ، وهو في ظاهرِ الأمر مشبه بخيار الخُلف؛ فإن الصفةَ المشروطةَ لا تستحق بمطلق العقد، وإذا شُرطت وأُخلِفت، ثبت الخيارُ. فإذا فُرض العيب في الثمارِ بسبب ترك السقي، فكأنا نقول: أجزاءُ الثمار كانت تزيد لو سُقيت، فإذا لم تُسقَ، فتركُ السقي تضمّن ألا تؤخذَ تيك الزوائدُ التي كان التزمَ التسببَ إلى وُجودِها، وهي تُضاهي على هذا الترتيبِ منافعَ الدار المُستأجرةِ، فإنها ستوجد شيئاً فشيئاً، والدار مسلّمة بنفسها.
3062- ثم يَبِينُ حاصلُ المذهب بذكر صُورتين: إحداهُما- أن من اشترى عبداً مرتداً على علمٍ بردتهِ وقبضه، فلا ردَّ له لمكان علمهِ. فلو قُتلَ في يدهِ، ففي الانفساخ وجهان.
والصورةُ الثانيةُ- أن يشتريَ عبداً مرتداً ولا يدري رِدَّتَه، فإذا اطلع على رِدته، ردّهُ بالعَيب، ولو قُتل لردّتِه قبلَ علمهِ، ففي الانفساخ وجهان أيضاًً، ولكن بالترتيب على صورة العلم، فالخيارُ يختصُّ ثبوتُه بالجهلِ بالردة، والانفساخ على الاختلاف في حالتَي العلم والجهل.
3063- فإذا ثبتَ ذلك، قلنا بعدهُ: التلفُ بآفةٍ سماوية فيه القولان، والأصح أنه من ضمان المشتري، ويمكن أن يقرب من مسألة الردّة، من جهة أنه تعرض للآفة تعرّض المريض، ولو اشترى عبداً مريضاً، فتلف بذلك المرض، فقد خرّجَ بعضُ الأصحاب هذا على الخلاف في قتل العبدِ المرتدّ في يد المشتري.
ولو كان هلاكُ الثمارِ وتلفُها بسبب ترك السقي، فلا يبعد الخِلاف في الانفساخِ، لمكان يد المشتري، أما الخيار فسبَبهُ استحقاقُ حق السقي على البائع، مع عدم الوفاء به. ولو اشترى عبداً مرتداً، ولم يكن عالماً بردتهِ، فلما علم لم يَردّه بالعيبِ، فيبطل خيارُه، فلو قتل بالردّةِ، فالأمر على خلافٍ في الانفساخ، كما لو علم بالردة حالةَ الشراء.
كذلك إذا عابَت الثمارُ بتركِ السقي، نظر: فإن لم يشعر المشتري حتى تداعَى الأمرُ إلى التلف، فلا خيارَ بعد التلفِ، والانفساخُ على الخلاف. ولكن إن حكمنا بالانفساخ، ارتدَّ الثمن إلى المشتري، وإن قُلنا: لا ينفسخ وقد انقطع الخيار من غير تقصير من المشتري في ترك الفسخ، فعلى البائع قيمةُ الثمار إن لم تكن من ذوات الأمثال، وإن جعلناها من ذوات الأمثال، فعليه المِثل، ويصيرُ تركُ السقي منه بمثابة جنايةٍ ذاتِ سَريان، فإذا تمت السرايةُ وتحقق التلفُ، وجب ضمان التالف على الجاني. هذا إذا لم نحكم بالانفساخ، ولم ينتسب المشتري إلى ترك الخيارِ.
فأمَّا إذا علم المشتري بالعيب وترتُّبه على ترك السقي، فله الخيار، فلو رضي، بطل خيارُه، فلو تَداعَى العَيبُ إلى التلفَ، فإن قُلنا: ينفسخ العقد. فلا كلام. وإن قلنا: لا ينفسخ، فهل يغرَم البائع بدل التالفِ لعدوانهِ، فعلى جوابَين أشار إليهما الأئمة:
أحدهما: أنه لا يغرَمُ شيئاً، وكان من حق المشتري أن يفسخَ؛ إذْ أثبت الشرعُ له خياراً. والثاني-أن عِوضَ الثمار يجب على البائع لعدوانه، وموجَبُ العدوان لا يسقط بترك المتخيِّر خيارَه.
وهذا يقرب مما قَدَّمناه في أثناء فصل الحجارة المستودَعة، فإنا قلنا فيها: إذا علم المشتري أن ضرراً سيلحَقُه بسبب القلع، فله الخيار، فلو لم يختر والحالةُ هذه، ونقل البائع، فهل يغرم المشتري ما ينقصه القلعُ؟ فيه أوجهٌ ذكرتُها ثَمَّ.
فهذا ترتيبُ القولِ في الجوائح والآفات التي تلحقُ الثمارَ، ما غادرنا غامضةً إلا غُصنا عليها.
فإن قيل: إذا أوجبتم على البائع قيمة ما تلف، فقد حططتم عنه شيئاً؛ فإنه التزم شرعاً تنميةَ الثمارِ وتبليغَها المنتهى، ولولا ما جرى، لانتهت الثمار إلى غايتها، فهلا غرّمتم البائعَ عوضَ الرُّطب الكاملِ مثلاً، أو قيمته، ولم اجتزأتم بتغريمه عوض البلحِ أو المذنبِ؟ قلنا: إذا كنا نُلزمُه بطريق الإتلاف، فلا نلزمُه إلا عِوضَ ما تلف، ولا ننظر إلى ما كان يكون لولا التلف، فإنَّ كل ما يُتلَف بلحاً على إنسان بهذه المثابة.
وهذا تمام البيان في ذلك.